تبعاً لنصيحة الزميل أنس قطيش الذي أضاء جانباً من المسألة لم أكن أعير أهميّة له, سوف أرجع خيار التعليق على المدونة حتى إشعار آخر.

وأخيراً, سأرى اسم الجولان يحوم في الفضاء الافتراضي باللغة العربية, لا بل في فضاء التدوين السوري, فرغم التصاقي بالشاشة الزرقاء لكنها لا تنفك الا أن تصيبني بخيبة أملِ كبيرة لدى بحثي عن موضوعات تشغل بالي المحلّي, والجولان المحتلّ هو أحد تلك الموضوعات والذي إن كتبت أحداهنّ عن احتلاله إمّا تكون كاتبة المقال صحافيّة لبنانية أو صحافية غربية, أو بالطبع, مسؤولة سورية تختزل التعبير عن المسألة أجمع برؤية استراتيجية واحدة ترعى مصالح إدارتها (إدارة المسؤولة السورية) من أجل بقاء هذه الإدارة في السلطة في دولة لا صحافة شعبية فيها او حتى مظاهرات واعتصامات طوعية من شأنها أن تعطي للشعوب قولا في أمر مصيريّ كهذا.

فالجولان, كفلسطين كالجنوب وكالعراق, منطقة محلية يسكنها مجتمعات قد توقف سيرورة حاضرها بحضور المحتلّ من جهة, وإثر خطاب كولونيّ عالمي تبنّاه بعض المحليّين بعدم شرعية مقاومة الاحتلال “بالعنف” من جهة أخرى (بفتح الألف), ناهيك عن مصادرة هذا الحق من الشعوب من قبل أنظمة عربية هي نفسها تدعم هكذا خطاب وآلية بالردّ على الاحتلال بمصادرة أحقيّة هذه الشعوب بتقرير مصيرها بيدها.

من هنا تكمن أهمية أسبوع التدوين -كخاصة شعبية- عن الجولان, فعلى عكس أسبوع التدوين عن دمشق والتي هي بدورها أصبحت رمزا “ثقافيا وحضاريا” لسوريا لا كعاصمتها فحسب, حتى أننا إن أردنا التطرق إلى حضارات وثقافات غنية بها سوريا ككل, تحدثنا عن دمشق, سنمائيا, دراميا, أدبيا وأخيراً تدوينيا, فالتدوين عن الجولان هو كسر لهذه الاختزالية الرسمية في تمثيله, وهو صعود جوهري في ذهنية شعب لم يقل كلمته في الأمر بعد ولم تعطَ له المساحة لمناصرة أسرانا وأهلنا وشهداؤنا, تلك ليست قضية إدارة أو حكومة, تلك قضية المحليين أنفسهم.

والتدوين عن الجولان في هذا التوقيت له أهمية خصوصا بعد “المفاوضات” المباشرة والغير مباشرة التي تطلقها الحكومة من أجل “تحرير” الجولان, هذه المفاوضات قد عكست دورا مهما في كسْر جدار العزلة العالمي والمحلي على الادارة السورية.

ومن هنا ستسنح لي الفرصة بإبداء رأيي في تمثيلية هذه المفاوضات على قطعة أرضي وعلى مصائر شعوب يجمعنا تهديدات عدة أهمّها الاحتلال الاسرائيلي.

من هنا سأدوّن للجولان, لا لحريته فحسب, حيث لا أؤمن بحريته بمعزل عن حرية كل أرض مغتصبة, من هنا رفضي لأي عملية تفاوض تجري دون دخول فلسطين والجولان والعراق في الحسابات.

سأدون لمقاومة الاحتلال, سأدون لحقّ تقرير مصيري بهاتين اليدين, ضد كل من يحاول اغتصاب حقّي وكياني.

هكذا أرى الجولان, هكذا أرى تدوينه.

لفت انتباهي سؤال بدر من بعض المدونين السوريين بتطرقهم الى السجال الحاصل اخيرا على ساحة التدوين السوري وهو حول ماهية الفرق بين إغلاق “باب” التعليقات وبين اختراق مدونة, في إشارة منهم على أن كلا الأمرين يعكسان منطقا إلغائيا.

وهنا جوابي عى تساؤل الاخوة المدونين:

إن لاحظتِ أختي المدونة, سواء كنتِ على بلوغر او على ورد برس أو على غيرهما من نطاقات تدوينية, أن هنالك في قسم الإعدادات على مدونتكِ, قسما يدعى التعليقات, حيث تستطيعين أن “تختاري” لأن يكون لكِ قسم للتعليقات في مدونتك, هو “خيارا” وليس “بابا” او “واجبا” او “امرا” لا تستطيعين تغييره, بل على العكس, تستطيعين “ان تختاري” ما تريدين.

على عكس الاختراق, عزيزتي المدونة, حيث ان مخترقكِ من يملك هذا الخيار, عنكِ.

البعض منكم يعرف المجمع التدويني العالمي, أصوات عالميّة, والذي يحاول التركيز على الربط للمدونات والمدونين من كافة أنحاء العالم أكثر منه على المدونات والمدونين الأمريكيين. كما يعرف البعض منكم أنّ يزن بدران وأنا العضوين من سوريا الذين نربط للمدونات السورية. أعترف بالتقصير الشديد من ناحيتي بالربط للمدونات باللغة العربية كونها مسؤوليتي بالوقت التي يربط يزن الى المدونات بالانكليزية, لهذا أودّت أن أسألكم وبصراحة في هذا المنبر ما رأيكم بالموقع أولا, وبتمثيلي ثانيا, بالاضافة الى الرغبة من ناحيتي لأعرف شكاويكم, اقترحاتكم وأفكاركم من أجل تحسين هذا التمثيل.

وقبل أن أنهي هذه التدوينة أود ان اشارككم برأيي حول قضية التمثيل نفسها.

أنا ضد فكرة التمثيل أساسا, فهو منطق إلغائي بالضرورة, حيث يتم عرض شريحة لتمثّل البقيّة عندها تلغى أصوات أخرى, فهناك من يمثّل “سوريا” وهناك من يمثل “الوطنية” وهناك من يمثل “الخير” ووو…

فيما يتعلّق بالتدوين, لا أعتقد المدونين السوريين يمثلون, ولأسباب كثيرة لا أريد الخوض فيها هنا, سوريا, لكن إن كان هناك تمثيل لسوريا في التدوين السوري, فهو كما أراه “تمثيل تدوينيّ” لسوريا, وتمثيل الأصوات العالمية للمدونين السوريين هو تمثيل أصوات عالمية لهم, لا تمثيلهم بالضبط, فبالنهاية يتمّ اختيار بعض المواضيع وبعض المدونات من شريحة واسعة, اذن نحن نتكلم عن تمثيل جزئي فحسب.

لكن لا ضير في تحسين هذا التمثيل الجزئي, ومن هنا أسأل أن تساعدوننا في الأمر إن أردتم.

أرجو أن تكون التعليقات مرتبطة بموضوع التدوينة. وشكرا مسبقا لما تطروحونه ولا تترددو بالنقد والشتيمة :)

رجولتي

November 21, 2008

ادخل اليّ

اخلعُ كندرتي

انّها الرابعة والنصف صباحا

ولازلت تجادلني

ان كنت احبك أم لا

أدعك وشأنك جانباً

أرتشف ما تبقى من شوت الويسكي

وأستنشق ما تبقى من اللفافة

أخلع بلوزتي التي بلّلها الحرّ

أبللّ وسطي بلعابي

أنظر إليك كي تنظر إليّ

لتتعلّم

أدخل إليّ

إلى الأعلى

فأعلى

شهقتها

دونك

نظرت إليك

وجدتك قد شهقتها

دوني

وبسبي

قل لي ثانية:

لم أحتاجك؟

أتحفنا أحد المدونين السوريين المحليين بتدوينة يدعو بملئ القلب فيها وفي سابقة من نوعها في تعدد أشكال الخطاب التدوين السوري الذي بدأ منذ أربع سنوات, الى “اختراق بعض المدونات السورية”, حيث يستهل تدوينته بالجمل الاتية:

“أعتقد اصدقائي أن البعض منكم .. يستغرب هذا العنوان .. وكأنني أقول هيا بنا لنقتل بعض الأشخاص !!؟”

“ولكن ليس هذا القصد ..”

شكرا جزيلا لك اخي المدون انك لا تريد قتل المدونين, بل اغلاق تدويناتهم. واو, عنجد شي منفتح, الله يكرمك ويزيدك.

ويكمل:

ولكن في الآونة الأخيرة صادفتني كثير من المدونات العربية للأسف على WordPress أو Blogspots وغيرها على نطاقات مأجورة ضمت في سطورها مواضيع لاتمت بأي صلة لعالم التدوين..”

ان سألكم أحدهم ما هو عالم التدوين, ما عليكم سوى ان تدلوه على تدوينة الأخ هنا, فهو وحده, دون اجراء بحوث وقراءات عن تشعبات التدوين, فصوله واصوله, لديه الجواب الشافي والسريع جدا على ما يبدو, لدرجة انه على استعداد على ان يخترق من لا يمت له صلة بعالم التدوين.

كثيرة هي المعايير والمفاهيم التي يخلقها الانسان, ليموت هو او يقتل غيره, ]دفاعا عن تلك المعايير التي خلقها بنفسه. ها هنا مثال حيّ, فيبدو أن “مفهوم التدوين” أكثر الحاحا للدفاع عنه من المدون نفسه, ذالك المفهوم الذي خلقه المدون هنا, والذي من اجله, يود اختراق زملائه في التدوين.

يستطرد زميلنا:

“فمنها ماكان همها الشاغل التعبير عن حريتها الشخصية (الغير أخلاقية) والتنفيس عن سرائر النفس بإسلوب لا أخلاقي وحتى يصل لمرحلة الشذوذ و الكفر “و العياذ بالله””

اذن نفهم ان الحرية الشخصية, والتي هي لا اخلاقية, والشذوذ, والكفر, هي مواضيع لا تدخل في عالم التدوين. بالطبع, هنا أصبح للخطاب لون ديني, فنحن رجال الله على الارض, نرعى “الاخلاق” وندافع عنها ضد كل “سافر لااخلاقي وشاذ”. نحن لن ننتظر يوم القيامة, نحن سنباشر بها الان, دفاعا عن التدوين, عن الاسلام, والرسول الاعظم.

لا ألوم زميلنا, أعتقد أن من لا ملكه له بالتفكير او العقل او الحجة للرد, لا سبيل له سوى بالغاء الغير مالوف ليسميه “شذوذا” فيخترقه ويدمره.

وهاهي دعوة مدوننا السوري الشهيرة لاختراق مدونات سورية اخرى في سابقة من نوعها منذ بدأ التدوين السوري قبل 4 سنوات كما أسلفت:

فاسمحوا لي إذا بتوجيه دعوة لك شخص قادر على اختراق المواقع والمدونات بأن يقوم بمراسلتي لإعطائه بعض المواقع التي تحتاج إلى تدمير ..

و لينظر بأمرها ويقرر إذا ماكانت تستحق أم لا !!

لاحظوا آخر جملة, المدونات “التي تحتاج الى تدمير” ستكون تحت رحمة هذه اللجنة لينظر بأمرها ان كانت تستحق التدمير ام لا.

يستطرد:

“آأملاً منكم أيها الـ Hackers (المخترقين) أن تقوموا جدياً بتفعيل دوركم في هذا المجتمع الافتراضي وأن تستغلوا هذه العلم الذي آتاكم الله به بماهو مفيد دائماً..”

يبدو ان احد الادوار في العالم الافتراضي والتي اتانا الله بها هي التدمير والاختراق.

“واشكر أمثال الأخوة LoVeR HaKaRz & AlQaTaRi الذي قاما بضرب موقع الملحدة وفاء سلطان قي وقت لاحق واتمنى أن لايكون الأخير في هذه الأعمال الرائعة .. يمكنك الضغط هنا لمشاهدة الصفحة التي تركوها على الموقع “

الملحدة؟ هل هذا ما رآه هذا المدون من خطاب وسياسة وفاء سلطان؟ الالحاد؟ ماذا عن خطابها التحقيري للعرب؟ عن تمجيدها بما يسمى بالديمواقطية والليبرالية الغربية والامريكية؟ بالسخرية من الحركات الاستشهادية في فلسطين المحلتة؟ من دعوة حزب الله بالارهابي كما يدعوه اولئك الذين لا يرون في حزب الله سوى عمائمهم؟

بالطبع, انا لا اطالب صديقنا المدون بالتفكير حين يكتب تدوينة, فالذي يكتب تدوينة من هذا النوع لا يفكر, لا بل هو غير مؤهل ليفكر, ومن غير المعقول ان ينتبه الى خطاب أمثال وفاء سلطان وتبعاته, والذي لا يقل اشمئزازا عن خطاب هذا المدون نفسه المتمثّل بمنطق جورج بوش الذي يحاربه: من ليس معنا فهو ضدنا, من ليس مؤمنا فهو ملحد ويستحق الاختراق, من ليس مستقيما فهو شاذ ويستحق الاختراق, من لا يدون كما ندون فهو ليس مدونا ويستحق الاختراق.

اخيرا اود ان اقول, وبصراحة, ان عالم التدوين السوري باللغة العربية يعاني من اشكاليات لا اراها في التدوين السوري الاغترابي. كنت اقرا التدوين السوري باللغة الانكليزية لثلاث سنوات, تدوين الاغتراب, ورغم انني انتقلت الى العربية نتيجة غربتي عن تدوين الاغتراب والمحلي على حد سواء, لكنني لم اقرا اية تدوينة من المغترب السوري -عدا عن مدونة ميسلون -نطقت بهكذا منطق الغائي من قبل, مما يستدعي السؤال التالي:

ما معنى ان تكون اول مدونة سورية تدعو الى الغاء زملائها في التدوين السوري مدونة محلية باللغة العربية وذات خطاب ديني؟

الا يعني ذلك نجاح الحكومة السورية بزرع ثقافة إلغاء الغير -وليس الأخر-الخارج عن السرب؟ الا يعني ذلك ان التخلف المحلي الفكري والاقتصادي والتعليمي والحقوقي, قد جعل من بعضنا المسلمين في الداخل متخلفين؟ (لن اقول مسيحيين ويهود وملحدين ولاأدريين وغير دينيين وعلمانيين حتى اقرا لهم مثيل هذه التدوينة)

لم تدوين الاغتراب اكثر تقبلا للاراء المغايرة؟ وهنا بجدر القول ان تعدد الاراء في الاغتراب السوري هو مثير للاهتمام غير ذاك الذي تجدينه في التدوين المحلي الذي يتسم غالبا بمنطق أحادي وان تغيرت الاقلام.

ورغم ذلك, نجد اول صرخة من مدون محلي ضد ماهو غير مالوف داعية للدمار والاختراق بشكل مباشر ودونما حتى تردد بنشر هكذا منطق.

لم لا يناقش المحليون السياسة؟ وان فعلوا فهو تدوين خطابي عروبي تمجيدي وفخور دوما, لا وجود لا للتحليل او للجدل.

لم التدوين المحلي يخشى الشخصانية في التدوين؟ في حين يبدي التدوين الاغترابي اعجابه بالتفاصيل الشخصية التي تضفي لمسة انسانية في عالم افتراضي جاف؟

لم نرى في التدوين المحلي وحده, دفاعية الغائية لما يسمى بـ “معاير سوريا”, “اخلاق سوريا”, “معاير الاسلام واخلاقياته”, “اعراف العرب وتقاليدهم”؟ لدرجة اننا نجد جملة في اول مجمع تدوين سوري باللغة العربية تنبّه الى “الضوابط لقبول المدونات الساعية للإنضمام إليه” :

أن يكون محتواها لا يتعارض مع الأعراف والأخلاق المتعارف عليها .

في حين يتم التركيز في التدوين الاغترابي السوري على الموضوع نفسه من خلال عرض المعلومات في سياق جدلي, على عكس التدوينات السورية المحلية التي تركز على اللغة الخطابية.

لم نجد المدونين المحليين واضحين, جدا, بتعريفهم ل”سوريا”, والاسلام,و” اسرائيل” وفلسطين و”الهوية” والتدوين بحد ذاته, حتى ان سال احدنا سؤالا او ابدى امتعاضه وسخطه من النمطية التعريفية لما سبق, تم الهجوم عليه, ومن هنا الغيت خيار التعليقات على مدونتي ولا ارغب بارجاعها في القريب العاجل, هذا ان ارجعتها اصلا.

كل هذه الاسئلة تعبر دماغي وأنا لا انكفّ عن متابعة جميع المدونات باللغة العربية, تلك التي احترم والتي لا احترم, فرغم كل شيء, يبقى هناك من تجاوز هذه المحدودية بقراءة الحياة والأمور, وهم قلة. أو انكفوا عن التدوين, مثل ريما مسباني مثلا, والتي أدعوها لمثابرة التدوين, مااستطاعت اليه سبيلا.

موسيقاي

November 18, 2008

خرجت من المكتبة لأستنشق سيجارة. وبما أنّ الجامعة الأمريكية في بيروت قد استحدثت نظاماً بمنع التدخين داخل حرم الجامعة ماعدا بضع مواقع مخصّصة, انضممتُ الى شلّة من المدخنات خلف المكتبة واللواتي قد ضاقت بهنّ الفسحة المسموحة لهنّ بالتدخين.

احتكر الشبّان المقعد الوحيد المتوفّر للمدخنات, فاتخذت لنفسي بقعة على حافة الحديقة. بدأت بلفّ لفافتي, وضعت كمشة من تبغ الهنود الحمر على لفافة ورق الشام, ضغطت مصفّي الدخّان الى جانب التبغ ولففته بحرص لاصقة الورق بلعابي, ممررة لساني من أسفل اللفافة حتى آخرها, ثمّّّ أشعلتها.

انزعجت من الأصوات العالية التي كان يطلقها الشبّان, ووجدت نفسي أنظر حولي علّني أجد منظرا أكثر سكينة.

كانت هناك فتاة جالسة على بعد عشرة أمتار منّي بعيدا عن بقعة المدخنات. كانت جالسة تقرأ في كتابها وكان جذعها قد مال ناحية الكتاب وكانت يدها اليسرى تداعب ظهرها العاري تحت البلوزة. نظرت الى شعرها الذي مال ناحية وجهها حتى لامس الكتاب.

ظللت أحدّق بها لثوانٍ حتى قاطعتني فتاة أرادت الجلوس قربي.

كانت الأخيرة ذات شعر أسود, وعينين واسعتين سوداوين, أضافت بشرتها العارية من الزينة رونقاً الى لون بشرتها الحنطيّ. كانت جالسة بملل وكأنها قد ضاعت ذرعا من نظام الجامعة بمنع التدخين.

أشعلت هي الأخرى سيجارة وحدّقت بقطٍ سمين يعبر بكسل الممر المؤدي إلى المكتبة الرئيسية.

في هذه الأثناء كنت قد بدأت أسعل, رغم ذلك أصريت على أن أشغل شفتيّ بشيء, تارة بلفافتي, وتارة بفنجان قهوة بارد. أي شيء ليبقيني هنا طويلا, وفي هذا البرد.

انضمّ الى الحشد فتاتين أخرتين, لم أستطع أن أرى من الأولى سوى ظهرها الذي لم يكن مثيرا بشيء, لكن الثانية كانت ممتعة بعظام وجهها وجبينها وابتسامتها الخفيفة, لكن عينيها كانتا أجمل ما فيها, ربما, فلم اتفحص جسدها, لكنني ظللت أتخيل نفسي آخذ لقطات يآلة التصوير خاصتي لعينيها فقط. كانتا تتحدثان بصوت خافت, يزداد خفوتا بازدياد شخير الشبّان.

أدرت رأسي ناحية امرأتي الأولى, كانت قد تربّعت على الكرسي وقد حال شعرها بيني وبين وجهها.

أطلق الشبان ضحكة عالية من الخلف,

أطفئت لفافتي, رميتها في العلبة المخصصة, وعدت أدراجي الى مكتبة ساكنة من كلّ ما سبق.

لم أكن قد تفحّصت جسد شاب كما تفحصته من قبل
كؤلئك الذين ترينهم في شوارع دمشق وحمص وحما وطرابلس وصيدا
وهم يتفرسون بنهديكِ ومابين ساقيك
هكذا تماما تفحصته
لربما لانني كنت اعلم مسبقا ان هذه الحفلة لن تكون لكِ بقدر ما تكون لغيركِ
رغم ان الدافع وراء ذهابي كان الرغبة بمعرفة إن كنت سأجدها أم لا
لم أجدها
لم تأتِ
أو لم أرق لها
رغم أنني حرصت على ان اكون “الغجرية” كي اروق لها
لا بأس
سأقلق حول ذلك لاحقاً
الآن دعيني أتفحص بمن هم ليسوا بمتناول يدي

كانت الموسقى بدائية للغاية
لا وجود لهيفاء وهبي أو سميرة سعيد
استغربت ثقافة الغرب الذي لا يفقه اصول الاغراء
وشعرت بالشفقة لهؤلاء المحليين الذين رضوا بهذه الموسيقى لتحرك اجسادهم
اما ان يكون رقصا ام لا
كررت لنفسها

تنبهت اليه قادما من البوابة
كان بزي ابيض ناصع
كان الرجل “المستقيم” المازوخي بعصاة للضرب
كان قد لفت انظار الجميع
بزيّه وبطلّته
ابتسم اذ راى صديقه
وتحسّر الجميع لابتسامته
لكنّنا ظللنا نصاحبه باعيننا

بدأ يرقص دون ويسكي او شوت تيكيلا
كان يرقص
سمعت نفسها تقول على الملأ
“اوه ماي غاد هي از سو هوت”, لم يسمع احد ترهاتها
عما تتحدث؟
كان تتحدث عن كل ايماءة
عن تمايله وخفة جسده المتناغم مع هذه الموسيقى الجامدة
خجلت من نفسها وهي تراقبه
ابعدت ناظريها عنه وحاولت لهي نفسها بالحشد الممل
“هاي” قالت لها احداهن وهي تمرّ بجابنها للمرّة الثانية
“هاي” اجابتها ببرود عندما تفحصت جسدها وادارت لها وجهها لتفهم الرسالة
“نوت انترستد” حبيبتي
لكن الحادثة اعجبتها وأرضت غروراً بات مستحيلاً اختباره هنا
كان العديد من الشبان” المستقيمين” قد ابدو اعجابا بها
لكنها تجاهلتهم جميعا دون ان يكون قصدها العكس تماما
وجدت نفسها تنظر ناحيته مجدّداَ
غير انه مرّ جانبها دون ان ينظر اليها حتى
شعرت بخيبة امل كبيرة
ابتلعتها باحتراف

رغبت بالرحيل أيضاً
رحلت هي وصديقاتها الى نادِ مستقيم جدا
وملّت من نظرات الشبان الذين أبدوا إعجاباً متنبأً به بزيّها الغجري
راقصت اثنان أو ثلاث
لكنّها اذ رحلت الى منزلها فجراً
حتى ظلّت صورة خصره المتمايل يسكنها في مضجعها
مستمتعة بفكرة أنّه لن يكون بمتناول يدها يوماً
دونما مهانة
أو حتّى أمل بنسج قصّة خيالية
عن حبّ مستحيل.